Non classé

هكذا قَتَلته

0


جلس وحده في شرفة شقته المطلة على البحر.. لا يدري هل يتخلص من قبضة الماضي الذي يجره إليه محاولا إيقاعه في دوامة من الأسى و الندم و جلد النفس.. أم يتهرب من التفكير في المستقبل الذي لربما لم يتبق له منه الكثير.. ينظر إليها بكل كره و حقد.. بعينين محتقنتين يتطاير منهما مزيج من الغضب و الألم.. يراها تتراقص أمام عينيه غير آبهة بمصيبته.. غير معيرة أدنى اهتمام لتلك الطامة الكبرى التي نزلت به و التي كانت هي سببها.. لم تخجل من لبس فستانها الأبيض و وشاحها البرتقالي الذي لطالما أحب تناسق ألوانه و استحسنه.. لم تخجل من نفسها و هي تتمايل أمامه بوقاحة بعدما فعلت به الأفاعيل.. دمرت حياته ببطء شديد.. جعلته ينفق عليها بسخاء.. خدعته بمكر حين ظن أنها رفيقته التي يلجأ إليها في لحظات الغضب و التوتر.. كان لا يفتأ يجالسها بعد كل نقاش مع أبنائه.. بعد كل يوم عمل عصيب.. يختلي بها و يأخذ منها نفسا بعد آخر فينزاح ما به من غم.. لم يدر و لم يخطر بباله يوما أن تلك الأنفاس لم تكن سوى سالبة لحياته.. مدمرة لجسده بصمت..تذكر كم سخر من الأطباء الذين نصحوه بفراقها.. كم ضحك ملئ فمه و هو يشاهد الإعلانات و البرامج المتحدثة عن وقاحتها و غدرها.. لم يستفق من ثمالته و ولهانه بها سوى اليوم.. بعد أن خسر العديد من الكيلوغرامات.. بعد أن ضاقت عليه الدنيا بما رحبت و ضاق صدره.. بعد أن رآى بأم عينيه رئته الأشبه بفرع شجرة متآكل قديم.. لم يدر فيم ورط نفسه إلا حين نطق الطبيب أمامه: إنه السرطان! واساه بكلمتين يتيمتين و تركه يواجه قدره المحتوم. آنذاك فقط مر شريط حياته أمامه و أحس بصفعة قوية على وجهه.. تذكر اللحظات الثمينة التي قضاها بعيدا عن زوجته و أبنائه في سبيلها.. المال الذي أنفقه عليها.. المشاكل التي تسببت له بها.. أسنانه المصفرة البشعة.. رائحتها في ملابسه و أشيائه.. اشتم الرائحة و لأول مرة أدرك كم هي مقرفة.. ثم نظر إلى وجهه في المرآة.. من أين له بتلك البشرة الشاحبة و التجاعيد و هو لا زال في الأربعين من عمره؟! تنهد بعمق.. نظر إلى الشمس و هي تغيب أمام عينيه.. منذرة إياه بأفول عمره و قرب موعد توديعه لهذه الحياة بصورة تراجيدية حزينة.. أعاد نظره إليها فوجدها لا زالت على حالها، برقصتها المائعة و فستانها الأبيض و وشاحها البرتقالي.. شد على أسنانه باحتقان ثم ضغط عليها بين أصابعه بكل ما أوتي من قوة.. رمى فتاتها فوق الطاولة و استمتع بمنظرها و هي تتلاشى أمامه.. خيل إليه أنه ينتقم من غدرها و يرسلها لقدرها قبله.. لكنه أدرك تماما أنه مخدوع و أنها نجحت في إيقاعه في الفخ
.أحس بنسيم بارد يهب فقام إلى الداخل لا يدري هل ستشرق عليه الشمس من جديد أم لا
.الحادي و الثلاثون من ماي؛ اليوم العالمي لمحاربة التدخين

Au bout de l’éclat

Previous article

You may also like

Comments

Leave a reply

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Résoudre : *
22 − 13 =


More in Non classé