Non classé

حق العودة

0

استيقظ الأطفال باكرا، و تحلقوا حول جدتهم ليلى و هي تخبز “الشراك”.. الخبز التقليدي الذي يذكرها دائما بالعزيزة الغالية.. اليوم هو الذكرى الثانية و السبعون للنكبة الفلسطينية.. و التي تخصها جدتهم بالكثير من الطقوس و التقاليد.. فتحيي في أنفسهم حنينا لأرض لم يروها و لم يطؤوها.. لكنها تسكن قلوبهم و تجري في عروقهم مجرى الدم.. كيف لا و هي مرتع صبى جدتهم الغالية.. كيف لا و ثراها يضم جدهم الذي أبت الأقدار إلا أن تنتشله و هو يحاول العودة لأرض ملكها و بيت سكنه و ورثه أبا عن جد.. فما كان من بنادقهم سوى أن تطلق رصاصها عليه فترديه شهيدا..
لم ير الأطفال فلسطين.. لم يستطيعوا أن يزورو بيتهم هناك و يرو جماله العريق كما وصفته ليلى لهم شبرا شبرا.. و حجرا حجرا.. لم يستطيعوا أن يقطفوا حبات الزيتون من الأشجار في الحديقة.. لم يتذوقوا طعم التين الذيذ من يد جدهم.. لم يشربوا الماء العذب من قربة “الختيار” محمود الذي روت لهم عنه ليلى.. لكنهم يتوقون للعودة لأرضهم و ينتظرون ذلك اليوم بفارغ الصبر.. يحلمون بها دائما و يرسمون علمها كلما طلبت منهم معلمة الفنون رسمة من اختيارهم.. يسمعون جدتهم تغني “الموّال” أثناء طبخها و تطريزها للعبايات الفلسطينية التقليدية…
بعد أن انتهت من الخَبز، اجتمعوا حولها في دائرة.. وزعت عليهم “الشراك” الطازج.. و أبدوا ملامح الإصغاء و الاهتمام بما ستقوله لهم عن تاريخهم و أرضهم. اتخذت مجلسا وسطهم، أدخلت بعض الشعيرات الرمادية التي تسللت خارج حجابها على استحياء، ثم بدأت الحديث ببحة خفيفة في صوتها، و نبرة تشي بالكثير من الحنين:
“قبل سبعة عقود و نيف، كنت طفلة صغيرة مثلكم.. كان أبي يعمل في حقول الزيتون بضواحي يافا.. و يعود إلينا بعد غروب الشمس.. يفتح كوفيته و يخرج منها العنب و التين الذي جلبه لنا من الكروم.. يصلي المغرب ثم نجلس سويا نتسامر في الحديقة إلى وقت متأخر من الليل.. هكذا كانت حياتنا في يافا.. حياة هادئة سعيدة.. لا يعكر صفوها شيء.. و لا يشغل بالنا هم.. إلى أن سمعنا أخبارا تنبئ عن أن الأيام الخوالي قد ولت.. و حلت محلها حقبة مختلفة تماما.. سمعنا عن أناس اختفوا.. و أناس قتلوا.. و آخرين هُجِّروا من ديارهم.. ثم جاء الدور علينا في ليلة ممطرة حالكة.. اقتحموا بيتنا بأحذيتهم العسكرية الثقيلة.. داسوا فوق السجاد الأحمر و لطخوه بالتراب.. رموا كل ما جاءت عليه أيديهم من الأثاث.. و طلبوا منا الرحيل!..” مسحت ليلى دمعتين فرتا من مقلتيها.. ابتلعت ريقها بمرارة و أردفت: “كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها أبي يبكي.. ضمني إلى صدره و طلب مني أن أجمع في حقيبة صغيرة ما أنا بحاجة إليه.. اضطررت أن أترك لعبي الجميلة هناك.. لم أستطع أن آخذ جميع عباءاتي المطرزة بالأحمر و الأسود.. كما أني علمت كم سأشتاق لبيتنا و لم أدر هل سأستطيع العودة إليه مجددا.. خرجنا مع تنفس الصبح.. حاملين آمالا بالعودة.. بأننا فقط نعيش حلما مزعجا و سنستيقظ منه حالا.. لكن الكابوس استمر لسنوات عديدة.. عشنا بقية حياتنا في مخيم جنين.. ثم انتقلنا بعد المذبحة التي قتل فيها المئات بوحشية إلى الأردن.. فررنا من منظر الدماء و الأشلاء.. لم نستطع تحمل رؤية الأطراف البشرية مرمية في الطرقات.. و لا صوت الثكالى و هن يبكين أبناءهن و أزواجهن.. رحلنا و كلنا أمل بالعودة.. بأن ينزاح الكابوس و نرجع لبيتنا الذي علمنا في بعد أن اسمه صار “منزل آل راشيل!” أريدكم يا أبنائي أن تكملوا تحقيق الحلم.. أن تكون قضيتكم بين أعينكم تذودون عنها أينما حللتم.. أن تعتزوا بأصولكم و تعلموا أن هؤلاء القوم قالوا عنكم “إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبّارِين” أنتم أقوياء بإيمانكم و قضيتكم.. لا تتنكروا لها لعارض من عوارض الدنيا أيا كان”
مسحت ليلى ما على وجنتيها من الدموع.. قبلت الأطفال على جبينهم.. ثم تركتهم و قامت لصلاة الظهر.. تاركة الأطفال في توق شديد للعودة.

من قلب مستشفى الأورام, مذكرات طالب طب

Previous article

A perspective on the Covid19 crisis

Next article

You may also like

Comments

Leave a reply

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Résoudre : *
12 + 5 =


More in Non classé